Saturday, September 24, 2005

نداء

من الكلمات الرائعة التي خلدها القرآن الكريم هي نصيحة لقمان الحكيم لابنه و هو يعظه قائلا: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور، هذه الأية الكريمة و النصيحة الجليلة أبعث بها إلى أخي العزيز كويت بلوقر و أدعوه إلى أن يشاركني للحظات في تأمل غزارة معانيها و وفرة مغازيها، الآية تدعو إلى إقامة الصلاة التي لا يقوم الدين إلا بها، ثم تقترن هذه الصلاة المقصور جزاؤها على الفرد برسالة أعم و أكبر، و هي رسالة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر التي بفضلها يخرج المسلم من الحيز الضيق الذي يحيى به بمفرده ليشمل المجتمع بأسره، ذلك المجتمع المسلم الذي تقوم دعائمه على الأخوة و المحبة و التعاون على البر و التقوى، و فيه يقول الله سبحانه و تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، هذه الخاصية العظيمة التي اختص الله بها أمة محمد صلى الله عليه و سلم هي التي رسمت الملامح الجديدة للشخصية الإسلامية، و عبرت عنها بفلسفة مغايرة عن تلك التي اعتادتها الشعوب و الأمم السابقة، ففي ظل الدعوة المحمدية نال كل فرد من أفراد هذه الأمة سابقا و لاحقا شرف الرسالة و أداء الأمانة، و غدا أتباع القائد العظيم والمبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه و سلم رهبانا بالليل فرسانا بالنهار ينشرون دعوته و يبينون للناس طريقه و مسلكه، على اختلاف طبقاتهم و تفاوت درجات علمهم وفهمهم، أو ليس هو القائل الداعي: بلغوا عني و لو آية؟

و لكن النصيحة لم تقف عند تلك الصورة الجميلة البراقة فحسب، بل تبعها أمر بالصبر.... الصبر على ماذا؟ .... الصبر على أذى الناس، ذلك الأذى الذي لم يسلم منه لا نبي و لا رسول، حتى الله سبحانه و تعالى خالق الخلق و المتصرف بشؤونهم لم يسلم من ذلك الأذى الذى تنوء بحمله الجبال، و لذلك نرى الله سبحانه يصف نفسه بالصبور، و يخبرنا عنه عبده و حبيبه قائلا في الحديث الشريف: ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له البنين و البنات و مع ذلك هو يعطيهم و يرزقهم و يعافيهم! ألم يئن لنا أخي الكريم بعد هذا الحديث أن نتخلق بأخلاق الله؟ ألم يئن لنا أن نتحلى بهذا الصبر العظيم الذي يتحلى به الله؟ فهم يجعلون له الولد، و هو الذي نزه نفسه عن هذا الإدعاء الباطل أبلغ التنزيه، فصور بشاعة قولهم و فظاعته بقوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، هذا القول الذي لا تطيقه السموات و لا الأرض و لا الجبال يصبر عليه الله سبحانه، فما صبرنا نحن البشر على ما نسمعه من صبر الله؟ ولكنها الدعوة إلى التأسي بالله و التجمل بأخلاقه الكريمة، أما سيد البشر و خاتم النبيين فالمواقف التي تجسد الصبر في حياته أكبر من أن تذكر و أكثر من أن تحصر، و لي وقفة مع سيدة ضربت أروع الأمثلة بالصبر، أقف مع المُبرءة حبيبة حبيب رسول الله السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما عندما طُعنت بخنجر الأذى في مقتلها المتمثل في شرفها و عفتها، فلقد وصلت دناءة العنصر البشري إلى أن يستطيل لسانه في أعراض البيت العلوي الشريف المنزه عن كل أنواع الرجس و الفحش، و لكنه الصبر مرة أخرى، الصبر الذي ينحني أمام تلك الجارية الطاهرة الغافلة التي لم يتجاوز عمرها الخمسة عشر عاما على أكبر تقدير و هي تقف وحدها أمام رياح الاتهام التي أخذت تتلقفها من كل مكان بعدما تخلى عنها الجميع، فهي تخبر عن نفسها في الحديث الصحيح بعد أن راجعها رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمرها و قد لبث شهرا لا يكلمها، جاء فقال لها: يا عائشة إنه قد بلغني عنك كذا و كذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله و توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، تقول السيدة عائشة: لما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي أي جف دمعي حتى لا أحس منه قطرة، كيف لا يكون هذا حالها و هي ترى نظرات الاتهام في عيون أقرب البشر إليها، و لكنه الإيمان الذي كان يعمر قلبها، ذلك الإيمان الذي أعلمها أن زوجها ما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، و ما هو إلا بشر يتأثر بكلام الناس كما يتأثر البشر، فاتجهت إلى من بيده أمرها و براءتها، و ردت بعبارة ما كانت لتخرج من جارية صغيرة السن لا تحفظ من القرآن إلا اليسير، قالت و هي كلها ثقة بالله و رجاء: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث و صدقتم به حتى استقر في أنفسكم، فلو قلت لكم أني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني، و لئن اعترفت لكم بذنب والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله لا أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ، تقول: ثم تحولت و اضجعت على فراشي و أنا حينئذ أعلم أني بريئة و أن الله مبرئي ببراءتي..... و لكن ما شكل هذه البراءة التي كانت تنتظرها؟ لقد كان أبعد أملها و أقصى رجاؤها أن يرى رسول الله في المنام رؤيا يبرئها الله بها، و لكنه الله الذي ترتجيه، وبأسمائه الحسنى و صفاته العلى تستغيثه و تناجيه، في حين أن روحها الطاهرة الشريفة تمزقها أنياب البشر اللئيمة، فتأتي البراءة من السماء... لا برؤيا يراها رسول الله كما كانت تحلم و تتمنى، و إنما بوحي منزل من لدن عليم حكيم، عشر آيات من القرآن تتلى على مر الزمان، فكانت براءتها عبارة عن صك رباني يجزم بعفتها ويؤكد طهارتها و ينتقم لها مقطعا كل تلك الألسن التي هلكت في عرضها

و لا تظن أخي الكريم أن البراءة السماوية لا تكون إلا في الأمور العظام كأن يطعن الإنسان في شرفه و عرضه، بل تكون فيما هو دون ذلك بكثير، فهذا نبي الله موسى صلى الله عليه و سلم يتهم بأنه مصاب بمرض في جسمه، فتأتي براءته من السماء، يقول الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح مُخبرا عن أخيه موسى: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يُرى من جلده شيئ استحياء منه، فآذاه من أذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب في جلده إما برص و إما آفة، و إن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها و إن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه و طلب الحجر، حتى انتهى إلى ملئ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، و أبرأه الله مما يقولون، و بهذا أنزل الله قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وجيها

رأيت أخي الكريم تفاهة بني إسرائيل و كيف أنهم تأولوا حياء نبيهم واستتاره على أنه مرض بجلده، هذه التفاهة التي لا تقل تفاهة بني عصرنا اليوم عنها بشيئ، حتى أنها تتجاوزها و تتخطاها إلى ما هو أتفه و أحقر، و لكن الله لم يسكت عن هذه التفاهة بل ردها و قلبها على أصحابها، و هو الغيور على عباده ، المحيط بهم و الحافظ لهم من كل ما يمكن أن يصيبهم أو يؤذي مشاعرهم

أخي الكريم إعلم جُعلت فداك أني لم أكتب لك هذه الرسالة و أجمع لك هذه العبر و المواعظ حتى تتراجع عن موقفك و تعود إلى مدونتك، فما كتبته لك يفوق المدونات و يعلو على أفهام أغلب المدونين، و إنما أحببت أن أستذكر معك هذا القصص القرآني و الهدي النبوي حتى يكون لك عونا في معركتك الحقيقية على أرض الواقع و التي تختلف كثيرا عن هذا العالم المحجور، و ما نالك من كلام تلك الشرذمة المشلولة فكريا و المعقولة بعقال السطحية و الدنيوية لا يعدوا كلاما في الهواء وعواءا في العراء، و تعود دائما في رحلتك السامية أن تنبحك الكلاب،فكما يقولون الكلاب تنبح و القافلة تسير، طبعا كلاب المدونات دون كلاب الواقع بكثير، أعانك الله و أعاننا عليها

و لكني لا أخفيك أخي الكريم أنه برحيلك قد انطفأت شمعة من الشمعات القلائل التي كانت مضيئة في هذا العالم المظلم

محبك بلا ريب و الداعي لك في ظهر الغيب

أخوك\أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ



10 Comments:

At 12:25 AM, Blogger مواطن خندريسي said...

جزاك الله خير

سرد جميل واسلوب اروع

وانشاء الله يرجع صاحبك

 
At 12:51 AM, Blogger Ra-1 said...

يزاك الله خير

فعلا نتمى أن يعود
فهو أخ عزيز
مهما اختلفنا معه أحيانا
فاستفادتنا منه تفوق الاختلاف
أفادنا كثيرا بكتاباته
ونورنا بأحاديث لم نكن نعرفها
وذكرنا بآيات نسيناها

يكفي أنه من المتميزين في عالم المدونات
ومن القلة النظيفة
أسأل الله له الثبات

Q8ibloger
لا تدع أناس تافهين
يبعدوك
فلا هدف لهم سوا مهاجمة من يخالفهم بالرأي والفكر
أو مهاجمة من يحب هذا الدين

hope u come back soon :)

 
At 2:39 AM, Blogger eb9ara7a said...

شكرا يا الجاحظ
خوش رساله

و اخونا كويتي بلوقر له كل الاحترام و التقدير و راح نزعل عليه اذا انسحب بسبب حجي فاضي قاله جم شخص كنت اعتقد انهم اكبر من طرحهم التافه

تحياتي

 
At 4:17 AM, Blogger نون النساء said...

يزاك الله خير اخوي


يقولون الظليمة شينة..

اتمنى ان لايقع الظلم على أحد

ولا تصدر الشينة من أحد


:)

 
At 2:17 AM, Blogger AL-3ANAN said...

أعتقد ان لكل صاحب مدونة حق بطرح أفكاره والمواضيع التي يرغب بها فهي حرية شخصية يتحدث عن ما يريد و يطرح فكره كما يريد طالما انه لا يتعدى على حدود الأخرين
فلماذا لا يتمسك كل المدونيين بهذا الحق و يترك كل مايقال عنه وراء ظهره

 
At 12:27 PM, Blogger الجاحظ said...

مواطن خندريسي

و إياك إنشاء الله، أشكرك

Ra-1

أشكرك على هذه الرسالة البسيطة و كم أتمنى لو يستجيب لها

eb9ara7a

فعلا فهم تماما كما و صفتهم تافهين و
طرحهم أتفه

نون النساء ، Al-3anan

أسعدني جدا تواجدكما

 
At 10:37 PM, Blogger Ambitious said...

سلمت يمينك اخي الجاحظ
فعلا في مثل هالحالات لا اسوة لنا الا انبياء الله اللذين عانوا اشد ماعانوا من اقوامهم

فمقارنة معه الاذى الذي يصيبنا هنا شيء بسيط واقل من ان يكترث له

كويتي بلوقر
القافلة تسيرر ترى !!!!ـ

ننتظر مشاركاتك القادمة

---------

اخي الجاحظ هذي اول زيارة واول تعقيب لي بمدونتك لكن من المقالات الي رأيتها يبدوا انك راح تتعود علي هني !!ـ

موفق ان شاء الله

 
At 12:39 PM, Blogger الجاحظ said...

Ambitious

سعيد جدا بمرورك الأول، كما أني أتمنى أن لا يكون الأخير

حياك الله في مدونتك

 
At 8:47 AM, Blogger ~ se3loah ~ said...

جزاك الله خير على هالكلام

اتمنى ان كويتي بلوقر دخل وقرا كلامك والردود ويعرف انه في ناس يبونه بهالمكان

غيابه عن المدونات ترك والله فراغ كبير
ويوميا امر على مدونه لعل وعسى يغير رأيه
او يقتنع بكلام اشخاص مثلكم

بس انا رأيي ان كويتي بلوقر قرر يترك المدونات لانه مشغول وهذا اللي استنتجته من البوست اللي كتبه
انشاء الله يلقى وقت عشان يكتب لنا
******

 
At 8:14 AM, Blogger الجاحظ said...

~ se3loah ~

وإياك إنشاء الله

أشكر لك مشاركتك الطيبة، كما أتمنى أن يكون صوتك قد وصل للأخ العزيز كويت بلوقر

 

Post a Comment

<< Home