Thursday, August 18, 2005

التميز

كل إنسان مهما بدا خامل الذكر فإنه في قرارة نفسه يسعى إلى التميز، و إن خالف ذلك بلسان حاله أو مقاله، فهذه طبيعة بشرية لا يقوى أحد على دفعها وليس بالمقدور ردها، ولكن لأسباب قدرية أو ظروف قهرية نرى أناسا كثيرين تنازلوا عن حقهم في التميز، سواء كان هذا التميز على الصعيد العلمي إن كان طالبا أو الصعيد المهني إن كان موظفا أو على صعيد العلاقات الاجتماعية وما يدخل في معناها ويجري في مجراها، ولست هنا بصدد مناقشة أسباب هذا الفشل فبالنهاية كل مسخر لما خلق له، ولكني أحببت أن أطرق بابا للتميز يخفى على الكثيرين كنهه ومحجوب عن العامة مدخله، ألا وهو باب حسن الخلق

إنه باب مفتوح للمتميزين إن أرادوا أن يتمزوا شريطة أن يبذلوا الأسباب و يرغبوا بهذا الباب، و قد يقول قائل: ماذا رأى في حسن الخلق من تميز؟! أقول: إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لم يأت بشيئ جديد، فالأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام كانوا يدعون إلى التوحيد، والتوحيد الذي كان عليه آدم عليه السلام هو نفس التوحيد الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم، إذن ما هو الجديد في الدعوة المحمدية؟ الجواب عند صاحب الدعوة إذ يقول: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولا يخفى على أهل اللغة أن هذا أسلوب حصر حيث استخدمت أداة الحصر إنما، ولاحظ أنه لم يقل لأتمم الأخلاق وإنما قال مكارم الأخلاق، أي ليخرج بهذه الأخلاق إلى نهايتها في الكمال ويبلغ بها غايتها من الجمال، فلا يُنكر أحد لأنبياء الله أخلاقهم وإلا لما اصطفاهم الله لدعوته وفضلهم على سائر خلقه، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم تفوق عليهم في أخلاقه وبهذا مُيز عنهم وامتاز عليهم، والمواقف من حياته صلى الله عليه وسلم كثيرة، أذكر منها خروجه للطائف وما لاقى فيها، فهؤلاء سفهاؤها وصبيانها يرمونه بالحجارة إلى أن تدمى قدماه الكريمتان، فينزل عليه ملك الجبال ويقول: إن أردت أطبقت عليهم الأخشبين يعني الجبلين، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا لهم بأن يخرج الله من أصلابهم من يعبده، بينما نبي الله نوح عليه السلام عندما ضج من قومه صاح من كمد وجده ((رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا))، فصدق الحق إذ قال: ((و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) ... ولذلك اختص الله نبي هذه الأمة بالشفاعة الكبرى يوم لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فيوم القيامة تأتي الناس إلى الأنبياء فتسألها أن تشفع لها عند ربها، فلا يجرأ أحد منهم على ذلك، فلكل واحد منهم ذنبه الذي يستحي أن يلقى ربه به، أما آدم فبأكله من الشجرة التي نهاه الله عنها وموسى بقتله لنفس و ما أمر بقتلها وإبراهيم إذ أنه كذب ثلاث كذبات ونوح لسؤاله ربه بغير علم ... فلا يبقى إلا سيد الأنبياء وخاتمهم، فيدخل على رب العرش ويسجد ما شاء الله له أن يسجد، ثم يأذن له رب العزة أن يرفع رأسه قائلا له: سل يا محمد تعطه واشفع تُشفع .... أفرأيتم كيف جازى الله نبيه على تمام خلقه، أو ليس هو من قال به: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) ... والأحاديث الواردة في حسن الخلق كثيرة، أذكر منها " إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" وحديث " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" ويحضرني في هذا المقام قول أمير الشعراء: صلاح أمرك للأخلاق مرجعه ... فقوم النفس بالأخلاق تستقم

فليبدأ كل واحد مع نفسه صفحة جديدة عنوانها الفضيلة و ملؤها الأخلاق الكريمة، غير عابئ ولا آبه بما آلت إليه المجتمعات من تنكر للقيم وانحلال من المبادئ، فنبينا الكريم بُعث في مجتمع أقسى من هذا وظروف أصعب من التي نحياها اليوم، ومع ذلك فإنه غرس الأخلاق و أحياها في نفوس أهله و أصحابه، فكانوا من بعده مثالا يُحتذى و سراجا يُهتدى، يقول تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

اعلم أخي الكريم أن لسان الحق فصيح ... وتذكر دائما المثل الشعبي الذي يقول: ما يصح إلا الصحيح
ووفقنا الله وإياكم إلا ما يحبه ويرضاه من القول والعمل

4 Comments:

At 1:30 PM, Blogger Al-Hanbali said...

yeah thats right
its really starange that when you give na9ee7a to some one they reply it back with insults

Jazaka Allahu khairan for this post
was a good tathkira for me

 
At 12:49 AM, Blogger eb9ara7a said...

يزاك الله خير
كالعادة : كلامك طيب و نصايحك نافعه
:)

الله يحشرنا مع الرسول صلى الله عليه و سلم و يرزقنا شفاعته يوم القيامة

خل الناس تتعض من هالآيات و الاحاديث مو بس يحسبون انه الدين تشدد و تحريم و ممنوعات

 
At 3:47 AM, Blogger bojsoom said...

إنما الأخلاق ما يقيت :: فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الأخلاق مفتاح من مفاتيح الجنة ، بل هي باب واسع ...

جزاك الله خير اخي ..واللهم حسن خَلقي وخُلقي

 
At 9:26 AM, Blogger الجاحظ said...

q8ibloger

وإياك إنشاء الله، قال تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

eb9ara7a

صدقت فوالله الناس لن تعرف حقيقة هذا الدين حتى تطلبه بالعلم، و رسولنا الكريم يقول: بلغوا عني ولو آية، وكما عودتني تعليقاتك دائما تأتي في صلب الموضوع، أي نفس مايقولون الانجليز
bulls eye

bojsoom

اللهم آمين
عندما سُؤلت السيدة عائشة عن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خُلقه القرآن، و يكفيني أن أعلم أن الله سبحانه قال في هذا القرآن: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

 

Post a Comment

<< Home